الشيخ عبد الغني النابلسي
47
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
اليوم الثاني [ الثلاثاء 18 جمادى الآخرة - 28 آذار / مارس ] يوم الثلاثاء المبارك ، وقد تلاحقت بعض رفاقنا بنا في دمشق الشام لنكون معهم / في مسيرنا ذلك اليوم نتشارك ، ولم نتقيد باتباع قافلة ولا غيرها من الناس ، وإنما سرنا نحن وجماعتنا حتى رجعنا إلى أوطاننا كذلك ، وما على من يحفظ اللّه من باس ، حتى وصلنا إلى خان الشيح ، ونزل كل واحد منّا هناك بقصد أن يستريح ، وأكلنا من الزاد ما تيسّر ، وفرّجنا عن الدواب من سيرها ما تعسّر ، ثم ركبنا حتى وصلنا إلى الجسر الذي هو على نهر الأعوج المشهور ، وشربنا من ذلك الماء العذب واستعملناه في الوضوء والطهور ، وصلينا صلاة الظهر بالجماعة على تلك الأرض الخضرا ، وقررنا عينا برؤية تلك الأزهار ، وشرحنا بشميمها صدرا . ثم ذهبنا نحو قرية سعسع حتى أشرفنا عليها وعلى تكيّتها ، ونور فضائها الواسع لنا شعشع ، فتجلّت علينا غمائم الربيع ، ونقطتنا السّحائب بدرّ درّها المريع ، فقلنا في ذلك ، ونحن سائرون في تلك المسالك : للّه يوم مشينا نحو سعسع في * صفاء أنس بأفق خير ممطور فالغيم قارورة والشمس مبخرة * فنحن ما بين « ما ورد » « 1 » وبخور ، فكانت تصحو وتمطر ، وتصوم الشمس تارة وتفطر ، وقد قلنا أيضا : مشينا نحو سعسع في فلاة * على بسط الربيع لها شميم ونقّطنا الغمام بماء ورد * وبالأزهار بخّرنا النّسيم ثم لم نزل سائرين إلى أن دخلنا إلى تكيّة سعسع المذكورة « 2 » ، وكانت ليلتنا فيها ليلة مقرورة ، والبراغيث فيها وثوب الذئاب على غنم الأعراب ،
--> ( 1 ) يعني ماء الورد . ( 2 ) خان كبير وبداخله جامع ، بناه سنان باشا والي دمشق الكبير صاحب الجامع المعروف فيها ، وصاحب الخيرات والمبرات في مصر واليمن والدولة العثمانية ، وتم بناؤه في حدود 998 ه ، أما الواقف فقد توفي سنة 1004 ه . لطف السّمر / 714 - 716 سنة 998 ه .